فخر الدين الرازي
46
تفسير الرازي
ثم قال تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ * يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) * . * ( قوا أنفسكم ) * أي بالانتهاء عما نهاكم الله تعالى عنه ، وقال مقاتل : أن يؤدب المسلم نفسه وأهله ، فيأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر ، وقال في " الكشاف " : * ( قوا أنفسكم ) * بترك المعاصي وفعل الطاعات ، * ( وأهليكم ) * بأن تؤاخذوهم بما تؤاخذون به أنفسكم ، وقيل : * ( قوا أنفسكم ) * مما تدعو إليه أنفسكم إذ الأنفس تأمرهم بالشر وقرئ : * ( وأهلوكم ) * عطفاً على واو * ( قوا ) * وحسن العطف للفاصل ، و * ( ناراً ) * نوعاً من النار لا يتقد إلا بالناس والحجارة ، وعن ابن عباس هي حجارة الكبريت ، لأنها أشد الأشياء حراً إذا أوقد عليها ، وقرئ : * ( وقودها ) * بالضم ، وقوله : * ( عليها ملائكة ) * يعني الزبانية التسعة عشر وأعوانهم * ( غلاظ شداد ) * في إجرامهم غلظة وشدة أي جفاء وقوة ، أو في أفعالهم جفاء وخشونة ، ولا يبعد أن يكونوا بهذه الصفات في خلقهم ، أو في أفعالهم بأن يكونوا أشداء على أعداء الله ، رحماء على أولياء الله كما قال تعالى : * ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) * ( الفتح : 29 ) وقوله تعالى : * ( ويفعلون ما يؤمرون ) * يدل على اشتدادهم لمكان الأمر ، لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله تعالى والانتقام من أعدائه ، وفيه إشارة إلى أن الملائكة مكلفون في الآخرة بما أمرهم الله تعالى به وبما ينهاهم عنه والعصيان منهم مخالفة للأمر والنهي . وقوله تعالى : * ( يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم ) * لما ذكر شدة العذاب بالنار ، واشتداد الملائكة في انتقام الأعداء ، فقال : * ( لا تعتذروا اليوم ) * أي يقال لهم : لا تعتذروا اليوم إذ الاعتذار هو التوبة ، والتوبة غير مقبولة بعد الدخول في النار ، فلا ينفعكم الاعتذار ، وقوله تعالى : * ( إنما تجزون ما كنتم تعملون ) * يعني إنما أعمالكم السيئة ألزمتكم العذاب في الحكمة ، وفي الآية مباحث : البحث الأول : أنه تعالى خاطب المشركين في قوله : * ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة ) * وقال : * ( أعدت للكافرين ) * ( البقرة : 24 ) جعلها معدة للكافرين ، فما معنى مخاطبته به المؤمنين ؟ نقول : الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار ، فإنهم مع الكفار في دار واحدة فقيل للذين آمنوا : * ( قوا أنفسكم ) * باجتناب الفسق مجاورة الذين أعدت لهم هذه النار ، ولا يبعد أن يأمرهم بالتوقي من الارتداد .